السبت 14 ربيع الثاني 1448هـ الموافق 26 سبتمبر 2026م 0100 615 8873 العيادة يومياً ٤ – ٦ مساءً · عدا الجمعة

الفصل الثامن — الباب الأول : في ثناء الله تعالى (2)

الشفا بتعريف حقوق المصطفىالقسم الأول — الباب الأول : في ثناء الله تعالى

في الخصال المكتسية من الأخلاق الحميدة

وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة التي اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها ، و تعظيم المتصف بالخلق الواحد منها ، فضلاً عما فوقه و أثنى الشرع على جميعها ، و أمر بها ، ووَعَد السعادة الدائمة للمتخلق بها ، ووَصَف بعضها بأنه من أجزاء النبوة ، و هي المسماة بحسن الخلق ، و هو الإعتدال في قوى النفس وأوصافها ، والتوسط فيها دون الميل إلى منحرف أطرافها ، فجميعها قد كانت خلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلمعلى الإنتهاء في كمالها ، والإعتدال إلى غايتها ، حتى أثنى الله بذلك عليه ، فقال تعالى : ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم : 4 )

-قالت عائشة ـ رضي ا لله عنها : كان خلقه القرآن ، يرضى برضاه ، و يسخط بسخطه .

-وقال صلى الله عليه وسلم : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .

-قال انس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً .

-وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثله .

-وكان فيما ذكره المحقوق مجبولاً عليها في أصل خلقته وأول فطرته ، لم تحصل له باكتساب ولا رياضة إلا بجود إلهي ، و خصوصية ربانيّة .

وهكذا لسائر الأنبياء ، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك ، كما عرف من حال عيسى وموسى ، ويحيى ، وسليمان ، وغيرهم عليهم السلام .

بل غرزت فيهم هذه الأخلاق في الجبلة ، و أودعوا العلم و الحكمة في الفطرة ، قال الله تعالى عن يحيى: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً)

(مريم : 12 )

-قال المفسرون : أعطي يحيى العلم بكتاب الله تعالى في حال صباه .

-وقال معمر : كان يحيى ابن سنتين أو ثلاث ، فقال له الصبيان : لم لا تلعب ؟

فقال : أللعب خلقت ! ؟.

و قيل في قوله تعالى : (ُمصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ ) (آل عمران : 39 )) : صدق يحيى بعيسى ، و هو ابن ثلاث سنين ، فشهد له أنه كلمة الله و روحه .

-وقيل : صدقه وهو في بطن أمه ، فكانت أم يحيى تقول لمريم : إنى أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له . و قد نص الله تعالى على كلام عيسى لأمه عند ولادتها إياه بقوله لها : (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً) (مريم : 24 )) على قراءة من قرأ من تحتها و على قول من قال : إن المنادي عيسى .

-ونص على كلامه في مهده ' فقال : (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً) (مريم : 30 ).

-وقال : (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ) (الأنبياء : 79 )

-وقد ذكر من حكم سليمان و هو صبي يلعب في قصة المجرومة ، و في قصة الصبي ما اقتدى به داود أبوه عليهما السلام.

-وحكى الطبري أن عمره كان حين أوتي الملك اثني عشر عاماً .

-وكذلك قصة موسى مع فرعون و أخذه بلحيته و هو طفل .

-وقال المفسرون ـ في قوله تعالى :( (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ) (الأنبياء : 51 )) ، أي هديناه صغيرا ، قاله مجاهد و غيره

-وقال ابن عطاء : اصطفاه قبل إبداء خلقه .

-وقال بعضهم : لما ولد إبراهيم عليه السلام بعث الله تعالى إليه ملكاً يأمره عن الله أن يعرفه بقلبه ، ويذكره بلسانه ، فقال : قد فعلت ، و لم يقل أفعل ، فذلك رشده .

وقيل : إن إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار و محنته كانت و هو ابن ست عشرة سنة ، و إن ابتلاء إسماعيل بالذبح كان وهو ابن سبع سنين ، و إن استدلال إبراهيم بالكوكب و القمر و الشمس كان وهو ابن خمسة عشر شهراً .

-وقيل : أوحي إلى يوسف و هو صبي عندما هم إخوته بإلقائه في الجب ، يقول الله تعالى (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)

(يوسف : 15 ).

إلى غير ذلك مما ذكرنا من أخبارهم .

-وقد حكى أهل السير أن آمنة بنت وهب أخبرت أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ولد حين ولد باسطاً يديه إلى الأرض رافعاً رأسه إلى السماء .

وقال في حديثه صلى الله عليه وسلم : لما نشأت بغضت إلي الأوثان . و بغض إلى الشعر .

و لم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين ، فعصمني الله منهما ، ثم لم أعد

ثم يتمكن الأمر لهم ، وتترادف نفحات الله عليهم ، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم ، حتى يصلوا الغاية ويبلغوا ـ باصطفاء الله تعالى لهم بالنبوة في تحصيل هذه الخصال الشريفة ـ النهاية دون ممارسة ولا رياضة ، قال الله تعالى : (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)

(يوسف : 22 )

-وقد نجد غيرهم يطبع على بعض هذه الأخلاق دون جميعها ، و يولد عليها ، فيسهل عليه اكتساب تمامها عناية من الله تعالى ، كما نشاهد من خلقه بعض الصبيان على حسن السمت ، أو الشهامة ، أو صدق اللسان ، أو السماحة ، و كما نجد بعضهم على ضدها ، فبالإكتساب يكمل ناقصها ، وبالرياضة والمجاهدة يستجلب معدومها ، ويعتدل منحرفها ، و باختلاف هذين الحالين يتفاوت الناس فيها . وكل ميسر لما خلق له . و لهذا ما قد اختلف السلف فيها : هل هذا الخلق جبلة أو مكتسبة ؟

فحكى الطبري عن بعض السلف أن الخلق الحسن جبلة و غريزة في العبد ، و حكاه عن عبد الله بن مسعود ، و الحسن ، و به قال هو .

و الصواب ما أصلناه . وقد روى سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة و الكذب .

-وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديثه : و الجرأة ، و الجبن غرائز يضعها الله حيث يشاء .

-وهذه الأخلاق المحمودة و الخصال الجميلة كثيرة ، و لكنا نذكر أصولها ، و نشير إلى جميعها ، ونحقق وصفه صلى الله عليه وسلم بها إن شاء الله تعالى .

هذه المعلومات والوصفات للمعرفة فقط وليست وصفات علاجية، ويجب استشارة الطبيب المعالج قبل تناولها؛ فالكثير من الأعراض قد يتشابه، ولذلك يجب تشخيص الحالات المرضية بدقة.