في تحقيق القول في تكفيرالمتأولين
قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أهل البدع والأهواء المتأولين ممن قال قولاً يؤديه مساقه إلى كفر ، وهو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه .
وعلى اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك ، فمنهم من صوب التكفير الذي قال به الجمهور من السلف ، ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم من سواد المؤمنين ،وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين ، وقالوا : هم فساق عصاة ضلال ، ونُوَرِّثُهم من المسلمين ، ونحكم لهم بأحكامهم ، ولهذا قال سحنون : لا إعادة على من صلى خلفهم ، قال : وهو قول جميع أصحاب مالك كلِّهم : المغيرة ،وابن كنانة ، وأشهب ، قال : لأنه مسلم ، وذنبه لم يخرجه من الإسلام .
واضطرب آخرون في ذلك ، ووقفوا على القول بالتكفير وضده . واختلاف قوليْ مالك في ذلك ، وتوقفه عن إعادة الصلاة خلفهم منه وإلى نحو من هذا ذهب القاضي أبو بكر إمام أهل التحقيق والحق ، وقال : إنها من المُعْوِصات ، إذِ القوم لم يصرحوا بالكفر ، وإنما قالوا قولاً يؤدي إليه .
واضطرب قوله في المسألة على نحو اضطراب قول إمامه مالك بن أنس حتى قال في بعض كلامه : إنهم على رأي من كفرهم بالتأويل لا تحِل مناكحتهم ، ولا أكل ذبائحهم ، ولا الصلاة على ميتهم .
ويختلف في موارثتهم على الخلاف في ميراث المرتد .
وقال أيضاً : نُوَرِّث ميتهم ورثتهم من المسلمين ، ولا نورثهم هم من المسلمين ، وأكثر ميله إلى تركه التكفير بالمآل ، وكذلك اضطراب فيه قول شيخه أبي الحسن الأشعري ، وأكثر قوله ترك التكفير ، وأن الكفر خصلة واحدة ، وهو الجهل بوجود الباري تعالى .
وقال مرةً : من اعتقد أن الله جسم ، أو المسيح ، أو بعض من يلقاه في الطرق ، فليس بعارف به وهو كافر .
ولمثل هذا ذهب أبو المعالي رحمه الله في أجوبته لأبي محمد عبد الحق ، وكان سأله عن المسالة ، واعتذر له بأن الغلط فيها يصعب ، لأن إدخال كافر في الملة ، أو إخراج مسلم عنها عظيم في الدين .
وقال غيرهما من المحققين : الذي يجب الاحترازُ من التكفير في أهل التأويل ، فإن استبحاة الموحدين خطأ والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم واحد .
وقد قال صلى الله عليه وسلم: فإذا قالوها ـ يعني الشهادة ـ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها،وحسابهم على الله.
فالعصمة مقطوع بها من الشهادة ، ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع ، ولا قاطع من شرع ولا قياس عليه . وألفاظ الأحاديث الواردة في الباب معرضة للتأويل ، فما جاء منها في التصريح بكفر القدرية ، وقوله : لا سهم لهم في الإسلام ، و تسميته الرافضة بالشرك ، وإطلاق اللعنة عليهم ، وكذلك في الخوارج وغيرهم من أهل الأهواء ، فقد يحتج بها من يقول بالتفكير ، وقد يجيب الآخر عنها بأنه قد ورد في الحديث مثل هذه الألفاظ في غير الكفرة على طريق التغليط ، وكفر دون كفر ، وإشراك دون إشراك .
وقد ورد مثله في الرياء وعقوق الوالدين والزوج ، والزور ، وغير معصية .
وإذا كان محتملاً للأمرين فلا يقطع على أحدهما إلا بدليل قاطع .
وقوله في الخوارج : هم من شر البرية ، وهذه صفة الكفار .
وقال : شر قبيل تحت أديم السماء ، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه .
و قال : فإذا وجدتموهم فاقتلوهم قتل عاد .
فظاهرُ هذا الكفر لا سيما مع تشبيههم بعاد ، فيحتج به من يرى تكفيرهم ، فيقول له الآخر : إنما ذلك من قتلهم لخروجهم على المسلمين وبغيهم عليهم ، بدليل من الحديث نفسه : يقتلون أهل الإسلام ، فقتلهم ها هنا حد لا كفر .
وذكر عاد تشبيه للقتل وحله لا للمقتول ، وليس كل من حكم بقتله يحكم بكفره . ويعارضه بقول خالد في الحديث : دعني أضرب عنقه يا رسول الله . فقال : لعله يصلي .
فإن احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: يقروؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم ـ فأخبر أن الإيمان لم يدخل قلوبهم .
وكذلك قوله : يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، ثم لا يعودون إليه حتى يعود السهم على فوقه
وبقوله : سبق الفرث والدم، يدل على أنه لم يتعلق من الإسلام بشيء .
أجابه الآخرون : إن معنى لا يجاوز حناجرهم : لا يفهمون معانيه بقلوبهم ، ولا تنشرح له صدورهم ، ولا تعمل به جوارحهم ، وعارضوهم بقوله ، ويتمارى في الفوق .
وهذا يقتضي التشكك في حاله .
واحتجوا بقول أبي سعيد الخدري في هذا الحديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
يخرج في هذه الأمة ـ و لم يقل : من هذه ، وتحرير أبي سعيد الرواية ، وإتقانه اللفظ
أجابهم الآخرون بأن العبارة : في لا تقتضي تصريحاً بكونهم من غير الأمة ، بخلاف لفظة من التي هي للتبعيض . وكونهم من الأمة مع أنه قد روي عن أبي ذر ، وعلي ، وأبي أمامة وغيرهم في هذا الحديث : يخرج من أمتي و سيكون من أمتي ، و حروف المعاني مشتركة ، فلا تعويل على إخراجهم من الأمة ب =في = ، و ا على إدخالهم فيها ب = من =، لكن أبا سعيد رضي الله عنه أجاد ما شاء في التنبيه الذي نبه عليه . وهذا مما يدل على سعة فقه الصحابة وتحقيقهم للمعاني واستنباطها من الألفاظ ، وتحريرهم لها ، وتوقيهم في الرواية... هذه المذاهب المعروفة لأهل السنة .
ولغيرهم من الفرق فيها مقالات كثيرة مضطربة سخيفة ، أقر بها قول جهم ومحمد بن شبيب : إن الكفر بالله الجهل به ، لا يكفر أحد بغير ذلك .
وقال أبو الهذيل : إن كل متأول كان تأويله تشبيهاً لله بخلقه ، وتجويراً له في فعله ، وتكذيباً لخبره فهو كافر . وكل من أثبت شيئاً قديماً لا يقال له الله فهو كافر .
وقال بعض المتكلمين : إن كان ممن عرف الأصل وبنى عليه ، وكان فيما هو من أوصاف الله فهو كافر ، وإن لم يكن من هذا الباب ففاسق ، إلا أن يكون ممن لم يعرف الأصل فهو مخطئ غير كافر .
وذهب عبيد الله بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضه للتأويل وفارق في ذلك فرق الأمة ، إذ أجمعوا سواه على أن الحق في أصول الدين في واحد ، والمخطئ فيه آثم عاص فاسق . وإنما الخلاف في تكفيره .
وقد حكى القاضي أبو بكر الباقلاني مثل قول عبيد الله عن داود الأصبهاني ،
قال : وحكى قوم عنهما أنهما قالا ذلك في كل من علم الله سبحانه من حاله استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل ملتنا أو من غيرهم .
وقال نحو هذا القول الجاحظ ، وثمامة ، في أن كثيراً من العامة والنساء و البله ومقلدة النصارى واليهود وغيرهم لا حجة لله عليهم ، إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال .
وقد نحا الغزالي من هذا المنحى في كتاب التفرقة .
وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحداً من النصارى واليهود وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم ، أو شك .
قال القاضي أبو بكر : لأن التوقيف والإجماع على كفرهم ، فمن وقف في ذلك فقد كذب النص ، والتوقيف أو شك فيه . والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر .
